الثلاثاء، 18 مارس 2008

كلمة العلامة الشيخ عبد الجليل المقداد في مجلس الكرامة الأسبوعي

كلمة العلامة الشيخ عبد الجليل المقداد في مجلس الكرامة الأسبوعي - منزل الدكتور عبد الجليل السنكيس.

ليلة السبت - الموافق 14/3/2008م.

( المقاومة المدنية السلمية في فقه وسلوك الأئمة عليهم السلام )
بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين محمد وآله الطيبين الطاهرين،ولعنة الله على أعدائهم أجمعين إلى قيام يوم الدين ..

الحديث عن موقف الأئمة عليهم أفض الصلاة والسلام من حكام الجور .. حديث لا يخلو من صعوبة لما يرى من - لعله- تهافت في مرحلة الظاهر حيث نجد الفرق بين سيرة الحسين عليه أفضل الصلاة والسلام مع سيرة الحسن عليه أفضل الصلاة والسلام، تهافت ظاهر وإن كان في النهاية يلتقي هذه الموقف، مع هذا الموقف، ويصبان معا في مصلحة هذا الدين، إلا أنه قد يرى نحو من التهافت بين هذين الموقفين.

ومن هنا قد يجد الباحث صعوبة في إبراز الموقف الواضح المتسامي لأئمتنا عليهم أفضل الصلاة والسلام من حكام الجور.

والصعوبة تكمن: أولا: لأن الباحث حينما يريد أن يستنير وحينما يريد أن يحلل سيرة الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام إنما يريد من أجل تحديد موقف عملي يكون له عذرا بينه وبين الله سبحانه وتعالى.

ثانيا: وأيضا البحث هنا يتعلق بالغير، وأنت تقوم بتحليل سيرة الغير، وأي غير؟ سيرة إنسان معصوم، تريد أن تحلل وأن تستنبط سيرته الواضحة التي تبني عليها أثر. من هنا ينبغي للإنسان أن يلتزم الحيطة والحذر، فهو لا يتكلم عن تحليل موقف إنسان عادي، إنما يتكلم من أجل تحليل موقف إنسان معصوم. فلا بد من التزام الحيطة والحذر حتى لا يقع في توهين للأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام أو ظلم في حقهم.

ثالثا: وأيضا الصعوبة تكمن في أن هذه القضية تتصل بالدين، فأي تحريف لا سمح الله فيها، إنما هو تحريف للدين ، وتحريف لقيم الدين.

هذه المباحث ينبغي للإنسان وهو يلجها ويحاول أن يستنبطها وأن يصل إلى الموقف الواقعي لأئمتنا عليهم أفضل الصلاة والسلام، أن تتمثل فيه غاية النزاهة، وأن يتجرد عن كل الملابسات التي يمكن أن تَمينُ به إلى تحليل قد لا يكون هو الحق، وإنما يكون نتيجة تأثر بثقافة، أو تأثر بسوابق يعيشها الإنسان، أو تأثر- على كل حال - بدفع نحو اتجاه معين. ولذا الأمانة تقتضي أن يتجرد الإنسان عن كل شيء، وأن يدخل في مثل هذه المباحث بنزاهة وأن يتخلى عن سوابقه، وعن مصالحه، وعن رغباته، وعن مواقفه، وعن كل شيء. ومن هنا نرى خطورة التعامل مع سيرة أئمتنا عليهم أفضل الصلاة والسلام؛ حيث نجد أن هناك من يحاول إسقاط سيرة أئمتنا عليهم أفضل الصلاة والسلام على سلوكه، وهذا ظلم للحقيقة أن تأتي وتسقط سيرة الإمام على سلوكك. والحال أن المفروض على الإنسان أن يعرض سلوكه ومواقفه على قيم الدين وتعاليمه. أمّا أن يكون الإنسان يسلك نهجا معينا، ويحمل فكرا معينا ويحاول أن يسقط سيرة الأئمة على سلوكه وفكره فهذا خطأ. يعني أن يأتي بسيرة الأئمة ويفصلها على حسب شخصيته وسلوكه وفكره، لا تزيد ولا تنقص. كلا .. تعال إلى سيرتك وشخصيتك ومواقفك وقارن بينها وبين سيرة الأئمة، هل تجد أن شخصيتك تلتقي مع سيرة الأئمة، أو أنها مباينة لسيرة الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام؟

قد نختلف في تحديد الموقف العملي المتكامل الواضح لأئمتنا من حكام الجور .. فيميل إنسان إلى طرف، ويميل إنسان آخر إلى طرف، شخص يفهم من سيرتهم شيئا معينا وفكرة معينة، وشخص آخر يفهم من سيرتهم شيئا آخر، إلا أن هناك حقائق و ثوابت لا مجال للاجتهاد فيها، ولا للاختلاف النظري فيها؛ لأنها تمثل ثوابت في سيرة أئمتنا عليهم أفضل الصلاة والسلام. وأي باحث منصف ومجرد يستطيع أن يلمس هذه الثوابت بوضوح من سيرة الأئمة،، هذه الثوابت لا مجل للنقاش والاختلاف فيها.

هذه الثوابت هي:

الثابت الأول: أنهم صلوات الله وسلامه عليهم قاموا بتعرية الظالمين وعرفوهم للأمة على أنهم غاصبون للمواقع التي وصلوا إليها، ولا يمثلون شرعية، وهم يسيرون في الخط المباين لخط السماء، خط الجبت والطاغوت.

فلا مجال لإنسان أن يجتهد ويقول أن الأئمة أقروا بتلك السلطات الجائرة، وبالموقعية التي وصل إليها خلفاء، ووصل إليها حكام الجور، أنهم أقروهم وأمضوا ما هم عليه، وتعاملوا معهم، هذا ظلم وتحريف للدين. فالأئمة عرّوا الظالمين، ولا يرونهم يمثلون شرعية، وعرفوهم للأمة أنهم غاصبون للمواقع التي هم فيها.

الثابت الثاني: أن الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام، وإن فرضت عليهم الظروف القاسية أن يمارسوا دور التقية، إلا أنه من الواضح في سيرتهم عليهم أفضل الصلاة والسلام وهم يمارسون دور التقية كأسلوب، إلا أنهم لم يحسبوا على ظالم ولا جائر. ليس عندنا في التأريخ، بل لا مجال أن يتوهم إنسان أن الصادق صلوات الله و سلامه عليه كان من أتباع المنصور، أو أن الإمام الكاظم عليهم أفضل الصلاة والسلام صار محسوبا ومن رجالات الرشيد، أو أن الإمام الرضا عليه أفضل الصلاة والسلام كان محسوبا على المأمون.

وأنتم تعلمون المخطط الذي قام به المأمون من أجل جرّ الإمام حتى يحسب عليه، ويكون تحت مظلته، لكي يستفيد ويعطى الشرعية من قبل الإمام صلوات الله وسلامه عليه، لكن الإمام أبى ذلك، والتفت إلى هذا المخطط وأفضله من أجل ألا يعطيه ذلك، ولكي لا يتوهم متوهم أن الإمام الرضا أصبح – والعياذ بالله – من حاشية المأمون ومن رجالاته ومن المحسوبين عليه، هذا ظلم للحقيقة أن نصور الأئمة على أنهم كانوا مهادنين ومحسوبين ومن رجالا السلطة.

الثابت الثالث: والذي أيضا باعتقادي أنه واضح من سيرة أئمتنا ولا يقبل الاجتهاد، أنهم صلوات الله وسلامه عليهم، قاموا بتثقيف الأمة على مقاطعة الظالمين وقطع الاتصال معهم، إلا في حالات تعبر عن استثناء، ولأشخاص معينين،مع حالة من الرقابة التي كان يمارسها الإمام عليهم.

فالاستثناء لم يكن استثناء مطلقا، والقاعدة الأولية التي بناها الأئمة على أساس المقاطعة كما سنقرأ في الروايات الواردة عنهم. وإنما أجازوا الاتصال بالظالمين والدخول في حكومتهم في حالات استثنائية لأشخاص بصفات محدد، مع رقابة ومتابعة من الإمام صلوات الله وسلامه عليه، وإلا فالقاعدة هي تثقيف الأمة على المقاطعة، وعلى عدم الاتصال بالظالمين.

الثابت الرابع: أن الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام عملوا على أن يكون للتشيع كيانا مستقلا لا يرتبط بالظالم ولا يخضع له، وهو مستقل في ثقافته وفكره، بل حتى في موارده الاقتصادية، وما ترونه من استقلال للطائفة في فكرها وثقافتها – ونسأل الله أن تبقى هذه الاستقلالية للطائفة – إنما هو نتيجة تربية الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام.
وتجلى موقف الأئمة الرافض لحكام الجور في عدّة أمور:

الأمر الأول: أن الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام حرّموا التعاون معهم، وأن يكون الإنسان من أعوان الظلمة.

والروايات الواردة تحمل مضامين مدهشة وقوية في هذا المجال.

اقرأ عليكم بعضا من تلك الروايات، والحمد لله أن الروايات معتبرة وأسانيدها صحيحة،لا أقل في كثير منها:

مثلا في هذه الصحيحة عن الإمام السجاد عليه أفضل الصلاة والسلام قال: إياكم وصحبة العاصين ومعونة الظالمين.

وفي رواية صحيحة أخرى: يقول سألت أبا جعفر الباقر عليه السلام عن أعمالهم، ( يعني عن أعمال الظلمة، يعني أن أكون عاملا لهم، أن أدخل معهم في أعمالهم، أن ألِيَ شيئا من المواقع من أجل أن أعمل فيها) فقال: يا أبا محمد،لا.. ولا مَدّة قلم، وإنّ أحدكم لا يصيبُ من دنياهم شيئا إلا أصابُوا من دينهِ مثلَه.

وفي صحيحة أخرى، يقول الراوي: قال لي الإمام أبو عبد الله الصادق: لا تُعِنهُم على بناء مسجد. ( مع أنه مكان للعبادة، ومكان للخضوع والابتهال إلى الله سبحانه وتعالى ).

وفي رواية أخرى، أيضا معتبرة، عن الإمام الصادق عليه أفضل الصلاة والسلام عن آبائه، قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: إذا كان يوم القيامة نادى منادٍ أين الظلمة وأعوان الظلمة ومن لاقَ لهم دواة أو ربط لهم كيساً، أو مدّ لهم مدة قلم، فاحشروهم معهم.

ومع الأسف أصبحنا في زمان نُسيت فيه هذه القيم، وهذه المبادئ، وأصبح الكثير منا يلهث وراء الدنيا، لا يهمه أصاب منها من حلال، أو أصاب منها من حرام.

أيضا هذه الرواية، وهي أيضا معتبرة، سمعت أبو عبد الله ( الصادق ) يقول: من أعان ظالماً على مظلوم لم يزل الله عليه ساخطاً حتى ينزع من معونته. ( ومفهوم الإعانة واضح، أن يكون الإنسان محشورا مع الظالم، وأن يكون في خدمته، ويأتمر بأوامره، وأن يساعده على دولته وعلى حكمه ).

وأيضا نقرأ هذه الرواية: العامل بالظلم، والمعين له، والراضي به، شركاء ثلاثتهم.

ونقرأ هذه الرواية: ( يأتي الراوي ويسمع من الإمام ) قال أبو عبد الله الصادق عليه أفضل الصلاة والسلام: يا عَذافِرْ، نُبّئتُ أنك تعامل أبا أيوب والربيع ( كانا محسوبان على الحكومات الجائرة )، فما حالك إذا نُودِي بك في أعوان الظلمة؟ ( لا حظوا أولياء الله، لاحظوا الناس المتدينين، لا يعطي لنفسه ألف تبرير وتبرير، من أجل أن يبقى على الوضع الذي هو فيه، ومن أجل أن ينال من هذه الدنيا، حينما سمع تحذير الإمام ).

يقول ( الراوي ) فوَجَمَ أبي ( أي عذافر )، فقال له أبو عبد الله عليه السلام لمّا رأى ما أصابه، أي عذافر، إنما خوّفتك لما خوفني الله عز وجل. قال محمد ( ابن عذافر ): فقَدم أبي فما زال مغموما مكروبا حتى مات.

وهذا يذكرني بهمّام عندما وصف له الإمام حال المتقين وشؤونهم، وبعد أن أتم الإمام الخطبة، لم يتحمل همام الوصف حتى صعق صعقة ومات. ( هنا لاحظوا الموعظة ماذا تعمل إذا وجدت الوعاء الصافي ).

الأمر الثاني: تثقيف الأمة على عدم الاتصال بهم ( حكام الجور ).

ونقرأ في هذا المجال: عن علي بن أبي حمزة، يقول: كان لي صديق من كتاب بني أمية، فقال لي: استأذن لي على أبي عبد الله، فاستأذنت له، فلما أن دخل سلم وجلس، ثم قال: جعلت فداك، إني كنت في ديوان هؤلاء القوم، فأصبت من دنياهم مالا كثيرا، وأغمضت في مطالبه ( لم أكترث في كونه حلالا أم حراما ). فقال أبو عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام ( وفي هذا الحديث لوم وعتاب للأمة والمجتمع أنهم هم السبب في تقوية الظالمين، باتصالهم بالظلمة وتعاونهم معهم وارتباطهم بهم، هم من كوّنوا و قووا شوكة الظالمين وأوصلوهم إلى المراكز الذين هم فيها ).

فقال الإمام الصادق: لولا أن بني أمية وجدوا لهم من يكتب ويجبي لهم الفيء، ويقاتل عنهم، ويشهد جماعتهم، ( يشهد جماعتهم بأن يصلي معهم، أو يذهب إلى مجالسهم ) لما سلبونا حقنا، ولو تركهم الناس وما في أيديهم، ما وجدوا شيئا إلا ما وقع في أيديهم.

تخاذل الأمة وتساهلها، وعدم الاكتراث بالتعاليم الواردة عن الدين في كيفية التعامل مع الظلمة. هذا التساهل والتسامح هو الذي يقوي من شوكة الظالمين، وكلما ازدادت الأمة تهاونا وتسامحا ازداد الظالمون قوة وشوكة.

وأيضا هذه الرواية، وهي معتبرة سندا: يقول كنت عند أبي عبد الله عليه السلام، فدخل عليه رجل من أصحابنا فقال له: جعلت فداك، إنه ربما أصاب الرجل منا الضيق والشدة، فيدعى إلى البناء يبنيه، أو إلى النهر يكريه، أو إلى المسنّاة يصلحها، فما تقول في ذلك؟ فقال أبو عبد الله عليه أفضل الصلاة والسلام: ما أحبّ أني عقت لهم عقدة، أو وَكَيتُ لهم وكاء، لا ولا مدة قلم. إن أعوان الظلمة يوم القيامة في سرادق من نار حتى يحكم الله بين العباد.

إذا يا أخوة، اتضح من خلال هذه الأحاديث كيف أن الأئمة صلوات الله وسلامه عليهم ثقفوا الأمة و آحاد الأمة على رفض الظالمين، وعلى قطع الاتصال معهم، ورأيتم كيف أن الروايات شددت على هذا المعنى.

نعم هناك حالات استثنائية أجاز الأئمة عليهم أفضل الصلاة والسلام لبعض رجالات الشيعة أن يتصلوا بحكام الجور، وأن يدخلوا في حكوماتهم وأعمالهم، ولكن تبقى حالات استثنائية، و للأسف الشديد أن هناك الكثير من حولها إلى أصل. وأسيء فهمها، وهناك تعمد في إساءة الفهم.

أولا: هي حالات استثنائية، وثانيا: هي لأشخاص معدودين وبمواصفات معينة، وثالثا: مع تشديد، فيفترض أن الدخول يكون من أجل نفع المؤمنين ودفع الضرر والظلم عنهم، وحتى يكون المؤمنون في مأمن من الظالمين، لا لمغانم دنيوية.

وأبرز مصداق في ذلك أيها الأخوة، هي حالة الوزير علي بن يقطين، الذي هو من أعاظم رجالات الشيعة، وقد جوّز له الإمام أن يدخل في حكم هؤلاء، وأن يكون لهم وزيرا، لكن مع تشديد ومراقبة من الإمام، والتاريخ ينقل لنا ( لاحظوا يا أخوة، مع الأسف أن القضايا كيف أصبحت سائبة، هؤلاء الذين يعطون لأنفسهم الحق في أن يدرجوا أنفسهم في سلك أمثال علي بن يقطين، وما شابه ذلك، في الحقيقة إنما هم يكابرون ) أن عليا بن يقطين طلب الإذن في الدخول على الإمام، لكن الإمام رفض رفضا قاطعا، وما قبل أن يأذن له، استغرب علي بن يقطين وحاول أن يعرف السبب، وبعد مدة استطاع أن يصل إلى الإمام ويسأله عن السبب، فأجابه الإمام أن السبب في رفضه وعدم السماح له بالدخول، أن بعضا من موالينا وشيعتنا جاءك لقضاء حاجة فأعرضت عنه.

فخرج وسافر يبحث عن ذلك الشخص حتى وجده، فطرق الباب وقال له: أنني جئت أعتذر منك لأن الإمام قد رفض مقابلتي نتيجة للموقف الذي مارسته معك. قال له الرجل: قد عفوت عنك. فقال علي بن يقطين: كلا، حتى تضع رجلك على خدي. فقال الرجل: لا أفعل. فقال بن يقطين: لا بد أن تفعل، حتى يرضى عني الإمام سلام الله عليه، وأصر عليه حتى فعل. فهل نحن على استطاعة واستعداد بأن نقوم بهذا العمل، ممن يريد أن يجعل نفسه شبيها بهؤلاء الرجال والعظام.

والقضية لا تقبل الدخول في مساومات وقضايا مادية ومصالح؛ فهذه قضايا دين ومبادئ وقيم، و المبادئ الدينية هي التي تحفظ سواء كان الإنسان وزيرا لهارون الرشيد، أو كان فقيرا يعيش في كوخ.

فمبادئ الدين هي التي تبقى، ولا يجوز أن يتم التنازل عن تلك المبادئ.

- صحيح علي بن يقطين، قال لي أبو الحسن موسى بن جعفر عليه أفضل الصلاة والسلام: إن لله تبارك وتعالى مع السلطان أولياء يدفع بهم عن أوليائه. ( وظيفتهم هي خدمة مصالح المؤمنين ).

- قال لي أبو الحسن الرضا عليه السلام: إن لله تعالى بأبواب الظالمين من نوّر الله له البرهان، ومكن له في البلاد؛ ليدفع بهم عن أوليائهم، ويصلح أمور المسلمين إليهم، ملجأ المؤمن من الضر، وإليه يفزع ذو الحاجة من شيعتنا، وبهم يؤمّن الله روعة المؤمن في دار الظلمة، أولئك المؤمنون حقا.. أولئك أمناء الله في أرضه.

نعم، لا بأس أن يكون في المجتمع رجالات هكذا، وعلى وفق هذه الشروط. ولكن أين تجد هؤلاء؟

وأختم حديثي بهذا الأمر، أن الوجه الآخر- وللأسف الشديد - من حياة أئمتنا وسيرتهم مع الطغاة والظلمة مغفول عنه. والذي يطرح ويدفع، وتثقف به الأمة، هو في الحقيقة وجهٌ فاتِن، ووجه يبرز الإمام على أنه لا حول له ولا قوة، وعل أنه إمام مهادن، وعلى أنه إمام مسالم، وعلى أنه إمام خائف، وعلى أنه إمام يكون بخدمة السلطان، في كل شهر مرة مثلا.

ولا تبرز، مثلاً، شخصية الإمام الصادق عليه أفضل الصلاة والسلام على أساس الوجه الآخر، ذلك الموقف حينما قال له المنصور: ما لك لا تغشانا؟ فقال له (ع): لست في مصيبة فنعزيك، ( ولا تملك من أمر الآخرة شيئا حتى نأتي ونأخذه منك ). قال: تغشانا كما يغشانا الناس لتنصحنا. قال له الإمام ( وهذا هو الموقف اللائق بالأئمة (ع) ): من أراد الدنيا لا ينصحك، ومن أراد الآخرة لا يصحبك.

هذا الموقف أيها الأخوة ينبغي أن يسلط عليه الضوء كثيرا.

والحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا ونبينا محمد وآله الطاهرين.
الأسئلة والمداخلات

س: هل ينطبق على مجلس الشورى في البحرين أنه من أعوان الظلمة؟

العلامة المقداد: ابتسم و صمت قليلا، ثم قال: وصل الجواب.

س: ماذا نقول في أداء البرلمان، والذي هو صفر، ألا ينبغي عليهم الخروج منه؟ وهل الدخول في المجلسين هو إعانة للظلمة أم إعانة للشعب؟

العلامة المقداد: أعتقد أن الجواب على الشق الأول من السؤال كثيرا ما تم التعرض له، وأنا شخصيا تكلمت فيه كثيرا، وإيجازا أقول: في اعتقادي، إن رجحنا كفة المشاركة، إلا أن المشاركة بهذه الكيفية كان خطأ فادحا. أما فيما يرتبط بالشق الثاني، أعتقد أنه يحتاج إلى كلام كثير ( وكان الشيخ على ارتباط بفعالية أخرى )، ولا يمكن أن نعطي جوابا مطلقا، لأنه يرتبط بنوعية الأشخاص، ونوعية الأداء، ويرتبط بالنوايا، وبالنتائج على الأرض، وبأمور كثيرة، ينبغي أن يتم الحديث عنها كلا على حدة.

س: هل العمل في سلك وزارتي الداخلية والدفاع يعد معونة للظالم، فضلا عن العمل في مختلف مؤسسات وهيئات الحكومة؟

العلامة المقداد: بحسب فتاوى الفقهاء، وبحسب العنوان الأولي أنه غير جائز. ولكن من جو ر الزمان علينا أننا جماعة غير منظمة ومرتبة، وإلا فإن هذا الموضوع شائك. فمثلا، ترى الفتاوى الفقهية أن هذا الأمر يعد محرما، لكننا من جهة أخرى نطالب بأن يعمل أبناؤنا، لأن هناك تمييز في التوظيف وما شابه ذلك. فلا بد أن نعطي تصورا واضحا في كيفية التعاطي مع هاتين الوزارتين، وعموما التعاطي مع بعض الوزارات التي هي من هذا القبيل. وهو ما يحتاج إلى حوار هو مفقود، ويبدو أننا جماعة نسيرة على بركة الله سبحانه وتعالى، ونفتقر إلى التخطيط. وإذا ابتلينا بمشكلة، هبّ كل منا على حدة من أجل أن يوجد لها مخرجا. فلا يوجد عندنا تصور متكامل للقضايا.

س: من يحدد في زماننا هذا حالات الاستثناء؟

العلامة المقداد: هناك ضوابط خارجية، وداخلية تحكم الإنسان في داخله، وهي أقوى الضوابط. يقول تعالى: ( بل الإنسان على نفسه بصيرة ). هذا ضابط لا يحتمل أن يغش الإنسان، أو أن يحرف عليه الاتجاه والبوصلة، مهما حاول أن يغطي، أو أن يبرر يبقى هو أعلم بالحال.

أما الضابط الخارجي، فهو الرجوع إلى قيم الدين و أحكام الشريعة، وتشخيص رجالات البلد الموثوقين، من دون تجاهل ضوابط الدين وقيمه.

س: من يمتلك الغطاء الشرعي في الشؤون العامة للناس وما هي شروطه؟

العلامة المقداد: من يمتلك الغطاء الشرعي هو صاحب الشرعية، وصاحب الشرعية هو من يتصل بالشرع، ويتصل بالمرجعية. والموضوع شائك، وكان لي فيه كلمات، ولا يمكن أن أعطي تصورا واضحا في هذه العجالة.

ولكن لا أرى صحيحا، أن جهة ما تعطي لنفسها الشرعية وتسلبها من الآخرين.

العلامة المقداد جوابا على مداخلة أحد الحضور:

إذا كان الدخول بحسب معطيات معينة .. ماذا بعد أن تغيرت تلك المعطيات؟بعد أن دخلنا ووجدنا أن الأبواب مؤصدة، وأعتقد أنه لا يمكن أن يستوجب الوزير المعني، فهناك موازنات وحسابات وغيرها.. فإننا نحتاج إلى رأي الدين في الاستمرار، إن كان دخولنا مستند إلى رأي الدين.

وأكرر دائما - لو تجاوزنا وقلنا أن المصلحة في المشاركة - ألا نخدع أنفسنا ونقول أن الطريقة التي شاركنا بها هي الطريقة الصحيحة. أنا لا أشك بأن المشاركة بهذه الطريقة لم تكن صحيحة؛ لأنها كانت طريقة تعتمد على النظرة الأحادية، ولم يتم التشاور فيها، وهي قد خلفت الكثير من رفاق الدرب الذين تحتاجهم ويكونون لك عونا في مسيرتك.

والمشاركة التي خلفت وراءها شارعا وقوة ضاربة وانفصلت عنها، هذا النحو من المشاركة كان خاطئا.

ونحتاج الآن إلى إعادة قراءة الأوراق، كما نحتاج إلى دراسة مواقف جديدة.

ليست هناك تعليقات: